أبو الوفاء بن عمر الحلبي العرضي
223
معادن الذهب في الأعيان المشرفة بهم حلب
« لا يؤمنون » بمعنى لا يصدقون . والتصديق إنما يرجع إلى الخبر . وما معنى نسبة خبرية صريحة يصحّ توجّب التصديق والتكذيب إليها ، وتنصرف نسبة محمولها لموضوعها سوى قوله الحق مع مبتدئه . فما الداعي إلى ترك نسبة خبرية ظاهرة يتوجه إليها التصديق والتكذيب ، ولا يوجه إليها عدم التصديق ؟ ويوجه إلى الانزال باعتبار الاستلزام . نعم قد يوجه إلى الوصف العنواني باعتبار تضمنه خبرا عند الضرورة . ولا ضرورة هنا . فلذلك قيل : تصديق جبريل لا يرجع إلى خبر ضمني ، بل إلى خبر صريح . فان النبي صلّى اللّه عليه وسلم لم يقصد إفادة الماهية / فقط حتى تكون من قبيل التصورات . بل قصد أن مفهوم الايمان هو هذا . فهو حكم وتصديق ، يقام عليه الدليل . وقوله « لظهور » أنهم إذا لم يؤمنوا بكونه منزلا لا يؤمنون بكونه حقا ، غير صحيح لأنه ليس كلامنا في دعويين متضمنتين نسبتين ، حتى يقول : إن عدم مضمون إحداهما « 1 » يستلزم عدم الايمان بالأخرى . بل كلامنا في تركيب واحد وجملة واحدة ، اشتملت على نسبتين إحداهما جزء من موضوع القضية ، هي قيد لذات الموضوع ، وهي مع ذات الموضوع تركيب توصيفي . ثم أتى من الكلام بجملته نسبة أخرى ، فهو محمول القضية . فإذا قال القائل لمن أتى بهذه القضية : أنت صادق أم كاذب ، هل يتوجه التصديق والتكذيب إلا لما هو قابل أولا ؟ وبالذات لو سلمنا تعلق « لا يؤمنون » بالذي « أنزل إليك » لا يفيد إلا حقيته فقط . والمدة إفادة حصر الحقية فيه مبالغة ، وليس الكلام في أصل الحقية ، بل في حصرها وقصرها على القرائن . ثم حقق الشيخ الوالد كون « أنزل إليك » وصفا بأن ( الذي ) صفة الكتاب المحذوف تقديره « والكتاب الذي أنزل إليك » . فتكون صلة « الذي » قائمة بذات الموصوف ، فهو وصف لا محالة . انتهى .
--> ( 1 ) في الأصل : أحدهما .